كان بوليكاربوس (Polikarp) أسقف الجماعة المسيحية في سميرنا الرومانية في القرن الثاني، وهي إزمير (İzmir) اليوم. ويقول نص استشهاد بوليكاربوس إنه أُحرق، ثم قُتل بسلاح ذي نصل بعدما عجزت ألسنة اللهب عن إحراق جسده. ويظل تاريخ وفاته موضع خلاف، بين سنتي 155–156 م وتسلسل زمني لاحق يرتبط بيوسابيوس.
تبدأ الصعوبة حين تسأل نفسك: إلى أي حد تقرّبك هذه الرواية من واقعة الإعدام نفسها؟ فقد تذكّر إيريناوس أنه رأى بوليكاربوس، بينما يعرض نص الاستشهاد وفاته بوصفها قدوة دينية. وإذا تتبعت هذه الأنواع المختلفة من الأدلة، وجدت أسقفًا، ورواية جماعته عن موته، ونقاشًا مستمرًا حول زمن تشكّل تلك الرواية.
ما الدور الذي أدّاه بوليكاربوس في سميرنا الرومانية؟
قاد بوليكاربوس الجماعة المسيحية في سميرنا بصفته أسقفها خلال القرن الثاني. والصلة الجغرافية مباشرة: سميرنا القديمة هي إزمير الحالية. وتنتمي قصته إلى ماضي المدينة الروماني وإلى تاريخ جماعتها المسيحية.
ويُعدّ من الآباء الرسوليين، إلى جانب إكليمندس الروماني وإغناطيوس الأنطاكي. وقد وجّه إغناطيوس رسالة إلى بوليكاربوس. وذكره أيضًا في رسالتيه إلى أهل أفسس وأهل مغنيسيا. وتضع هذه الإشارات بوليكاربوس ضمن شبكة مراسلات مسيحية امتدت خارج سميرنا.
وتذكر الأخبار أن بوليكاربوس كان غزير المراسلات، لكن لم يبقَ منها سوى رسالته إلى أهل فيلبي. وهذا تمييز تحتاج إليه حين تدرس حياته. فرسالته الباقية تتيح مسارًا لدراسته، ورواية موته تتيح مسارًا آخر. وهما عملان منفصلان، لكل منهما غرض مختلف.
ويقدّم إيريناوس صلة شخصية مهمة. ففي تاريخ الكنيسة IV.14، يحفظ يوسابيوس قوله إنه رأى بوليكاربوس في شبابه. وقال إيريناوس أيضًا إن بوليكاربوس كان متقدمًا جدًا في السن حين استُشهد. وهذه ذكرى لقاء نقلها مؤلف آخر.
وينسب المقطع نفسه إلى إيريناوس قولًا أقوى: إن بوليكاربوس تلقّى التعليم من الرسل، وإن الرسل عيّنوه أسقفًا لسميرنا. وينبغي إبقاء هذه الصلة منسوبة إلى إيريناوس. فتذكّره رؤية بوليكاربوس، وقوله إن الرسل عيّنوه، شهادتان مختلفتان.
وسافر بوليكاربوس إلى روما أيضًا. وبحسب إيريناوس، كما ينقل عنه يوسابيوس، ناقش مع الأسقف أنيكيتوس يوم الاحتفال بعيد الفصح. وتُظهر هذه الواقعة مشاركته في نقاش تجاوز حدود جماعته.
متى كُتب نص «استشهاد بوليكاربوس»، ولماذا؟
يتخذ نص استشهاد بوليكاربوس شكل رسالة من كنيسة سميرنا. وهي موجّهة إلى كنيسة فيلوميليوم وإلى جماعات مسيحية أخرى. لذلك تجاوز جمهورها المقصود المدينة التي مات فيها بوليكاربوس.
ويتضح غرضها منذ البداية. فالفصل 1 يعرض موت بوليكاربوس بوصفه استشهادًا موافقًا للإنجيل. وتقدّم الرواية للقراء قدوة يفهمونها ويتذكرونها. وينبغي وضع هذا الغرض المعلن إلى جانب أوصاف القبض عليه واستجوابه وإعدامه.
ولا يزال تاريخ التأليف موضع خلاف. ففي مقالتها المنشورة سنة 2006، تتعامل سارة بارفيس مع النص بوصفه وحدة متماسكة. وترى أنه لا يوجد سبب ملزم يقتضي تأريخه إلى ما بعد سنة 156. ويتيح موقفها احتمال التأليف المبكر، لكنه لا يجعل كل تفصيل في الرواية مثبتًا بصورة مستقلة.
وتطرح كانديدا ر. موس تفسيرًا مختلفًا في دراستها المنشورة سنة 2010. فهي ترى أن الرواية الموسّعة لم تكن سجلًا لشاهد عيان، وربما كُتبت في منتصف القرن الثالث. وتستند حجتها إلى إشكالات قانونية، وأوجه تشابه مع الأناجيل، ومسائل تتعلق بمكانة الشهداء.
وتؤثر هذه المواقف في قراءتك لصلة الرسالة بموت بوليكاربوس. فبارفيس تدافع عن إمكان وجود نص مبكر. أما موس فتضع الرواية الموسّعة في سياق لاحق. ويتناول الخلاف زمن تأليف الرواية الباقية، وقيمتها بوصفها شهادة أيضًا.
ما أوجه عدم اليقين بشأن تاريخ وفاته وإعدامه؟
تربط حجة التأريخ المبكر بين معلومات وردت في الملحق الزمني لرواية الاستشهاد: 23 فبراير، ويوم السبت، والوالي لوسيوس ستاتيوس كوادراتوس. وقد رُبط اجتماع هذه المعطيات بسنة 155 أو 156 م. وهذا أساس تسلسل زمني مبكر، وليس تاريخًا متفقًا عليه.
ويقدّم يوسابيوس سياقًا زمنيًا مختلفًا في تاريخ الكنيسة IV.14–15. فهو يضع موت بوليكاربوس في عهد ماركوس أوريليوس ولوسيوس فيروس، بعد وفاة أنطونينوس بيوس سنة 161. وبذلك تكون الواقعة لاحقة للتاريخ المقترح في 155–156.
أما سنة 167 فترد في كتاب يوسابيوس التاريخ الزمني. وتشير بارفيس إلى أن تاريخ الكنيسة لا يكررها بوصفها سنة محددة. لذلك، من الأدق القول إن يوسابيوس يقدّم تسلسلًا زمنيًا بديلًا، بدل التعامل مع العملين وكأنهما يقرران التاريخ الدقيق نفسه.
ولرواية الإعدام بدورها مستويات مختلفة. ففي الفصل 9، يطلب الوالي من بوليكاربوس أن يقسم بحظ الإمبراطور وأن يشتم المسيح. وينسب النص إلى بوليكاربوس جوابًا يقول فيه إنه خدم المسيح 86 سنة. وهذا الرقم وارد في التصريح المنقول عن مدة خدمته.
وتصف الرواية تقييد بوليكاربوس وتعريضه للنار. وحين تعجز ألسنة اللهب عن إحراق جسده، تقول الرواية إنه قُتل بسلاح ذي نصل. وهذا هو تسلسل الإعدام في الرواية. وينبغي نسبته إلى النص كلما وُصفت وفاته.
ويتضمن الفصلان 15–16 أحداثًا إعجازية. فتشكّل ألسنة اللهب قوسًا حول بوليكاربوس، ويطفئ دمه النار. وهذه ادعاءات دينية داخل الرواية. ونقلها بوصفها أقوال النص يحفظ مكانها في القصة، من دون تقديمها كوقائع مادية ثبتت بصورة مستقلة.
التسلسل الزمني
يفصل التسلسل الزمني الآتي بين أنشطة بوليكاربوس والتواريخ المتنافسة لوفاته ولتأليف النص.
- القرن الثاني الميلادي: يتولى بوليكاربوس أسقفية الجماعة المسيحية في سميرنا.
- خلال أسقفية أنيكيتوس: بحسب إيريناوس، كما ينقل عنه يوسابيوس، يزور بوليكاربوس روما لمناقشة موعد عيد الفصح.
- 155 أو 156 م — تاريخ وفاة مختلف عليه: يربط التسلسل الزمني المبكر وفاته بولاية كوادراتوس.
- 156 م — نقطة مرجعية في نقاش التأليف: ترى بارفيس أنه لا ضرورة لتأريخ نص استشهاد بوليكاربوس إلى ما بعد سنة 156.
- 167 م — تاريخ بديل للوفاة: يضع كتاب يوسابيوس التاريخ الزمني الاستشهاد في هذه السنة.
- منتصف القرن الثالث الميلادي — فرضية بديلة للتأليف: تقترح موس أن الرواية الموسّعة ربما كُتبت خلال هذه الفترة.
كيف يميّز المؤرخون بين روايات المعجزات والأدلة التاريخية؟
يمكنك أن تبدأ بالفرق بين ذكرى إيريناوس والغرض المعلن لرسالة الاستشهاد. يقول إيريناوس إنه رأى بوليكاربوس. وتعرض الرسالة موتًا يُحتذى به، موافقًا للإنجيل. ولكليهما أهمية، لكن كلًا منهما يقدّم نوعًا مختلفًا من الأقوال.
وتتطلب ألسنة اللهب والدم الذي يطفئ النار لغة دقيقة مماثلة. فالفصلان 15–16 يرويان هاتين الأعجوبتين. وهما دليل على ما تطلب الرواية من جمهورها تصديقه بشأن موت بوليكاربوس. لكنهما لا يثبتان، بمفردهما وبصورة مستقلة، الأحداث الإعجازية التي يصفانها.
وتقسم التفاصيل القانونية آراء الباحثين أيضًا. تقرّ بارفيس بأن رواية المحاكمة تثير إشكالات عند مقارنتها بالممارسات القانونية الرومانية الثابتة. لكنها ترى أن هذه الإشكالات لا تفرض تأريخًا متأخرًا. وتُدرج موس الصعوبات القانونية ضمن أسبابها لتأريخ الرواية الموسّعة إلى زمن لاحق.
ويتناول تفسير قدّمه هاري أو. ماير وإميليانو روبنز أور تشوولي سنة 2022 الدلالة العامة للرواية. ويرى الباحثان أنها تحوّل عرض الموت العلني الروماني إلى حدث يخدم الدعاية المسيحية. وتركّز قراءتهما على الكيفية التي تمنح بها الرواية الإعدام معنى دينيًا.
وتصف دراستهما أيضًا نص استشهاد بوليكاربوس بأنه نص يُعتقد على نطاق واسع أنه يحفظ بعض أقدم الأمثلة الباقية على المصطلحات التقنية المسيحية الخاصة بالاستشهاد. ولذلك تتجاوز أهميته التاريخية تاريخ الإعدام المختلف عليه. فلغته جزء من الأدلة التي يفحصها المؤرخون.
تفاصيل لن تجدها في الأدلة السياحية
يعقّد الفصل 4 أي انطباع بأن النص يشجع المسيحيين على طلب الموت. فهو يصف كوينتوس، وهو فريجي تقدّم طوعًا للمحاكمة، ثم خاف وقدّم ذبيحة. وتستخدم الرواية مثاله لانتقاد الاستشهاد الطوعي.
ويضيف الفصل 12 قيدًا عمليًا إلى قصة الإعدام. إذ يرفض فيليب، صاحب منصب الآسيارخ، طلبًا بإطلاق أسد على بوليكاربوس، لأن عروض الحيوانات كانت قد انتهت. وتتضمن الرواية بذلك حدًا فرضه تسلسل العروض العامة.
ويقدّم الفصل 7 صلة بالحياة اليومية من خلال الضيافة. إذ يأمر بوليكاربوس بإعداد الطعام والشراب لمن جاؤوا للقبض عليه. وإذا سبق لك أن قدّمت لزائر طعامًا أو شرابًا، فستألف هذه اللفتة. لكن الرواية تضعها هنا في مشهد القبض عليه.
وتقول نسخة يوسابيوس إن حطب نار الإعدام جاء من ورش سميرنا وحمّاماتها. وينقل أيضًا رواية الجماعة عن جمع عظام بوليكاربوس، وعزمها على الاجتماع في ذكرى وفاته السنوية. وتربط هذه التفاصيل الإعدام بحياة المدينة وبالذاكرة الجماعية.
الأسئلة الشائعة
من هو بوليكاربوس؟
كان بوليكاربوس أسقف الجماعة المسيحية في سميرنا في القرن الثاني. ويُعدّ من الآباء الرسوليين، وما تزال رسالته إلى أهل فيلبي باقية.
كيف يصف نص «استشهاد بوليكاربوس» وفاته؟
يقول النص إن بوليكاربوس قُيّد وأُحرق. وحين عجزت النار عن إحراق جسده، تروي القصة أنه قُتل بسلاح ذي نصل.
متى توفي بوليكاربوس؟
يقترح تسلسل زمني مبكر سنة 155 أو 156 م. ويضع يوسابيوس وفاته في عهد إمبراطوري لاحق، ويورد كتابه التاريخ الزمني سنة 167.
هل كان نص «استشهاد بوليكاربوس» رواية شاهد عيان؟
هذا موضع خلاف. ترى بارفيس أن التأريخ المبكر يظل ممكنًا. وترى موس أن الرواية الموسّعة لم تكن سجلًا لشاهد عيان، وربما تعود إلى منتصف القرن الثالث.
المصادر
- ويكيبيديا التركية — بوليكاربوس tr.wikipedia.org
- ويكيبيديا الإنجليزية — بوليكاربوس en.wikipedia.org
- يوسابيوس — تاريخ الكنيسة، الكتاب الرابع، الفصلان 14–15 newadvent.org
- استشهاد بوليكاربوس newadvent.org
- سارة بارفيس — استشهاد بوليكاربوس journals.sagepub.com
- كانديدا ر. موس — حول تأريخ بوليكاربوس: إعادة النظر في موقع استشهاد بوليكاربوس في تاريخ المسيحية mohrsiebeck.com
- هاري أو. ماير وإميليانو روبنز أور تشوولي — الموت في سميرنا، مستودع جامعة بولونيا cris.unibo.it
FAQ
من هو بوليكاربوس؟
كان بوليكاربوس أسقف الجماعة المسيحية في سميرنا، إزمير اليوم، في القرن الثاني. ويُعدّ من الآباء الرسوليين، وما تزال رسالته إلى أهل فيلبي باقية.
كيف يصف نص «استشهاد بوليكاربوس» وفاته؟
تقول الرواية إن بوليكاربوس قُيّد وأُحرق. ثم تذكر أنه قُتل بسلاح ذي نصل بعدما عجزت النار عن إحراق جسده.
متى توفي بوليكاربوس؟
يضع تسلسل زمني مبكر وفاته في سنة 155 أو 156 م. ويضعها يوسابيوس في عهد إمبراطوري لاحق، بينما يورد كتابه «التاريخ الزمني» سنة 167 بوصفها تاريخًا بديلًا.
هل كان نص «استشهاد بوليكاربوس» رواية شاهد عيان؟
يختلف الباحثون حول تاريخ النص وصلته بشهادة العيان. وترى سارة بارفيس أنه لا ضرورة لتأريخه إلى ما بعد سنة 156، بينما ترى كانديدا ر. موس أن الرواية الموسّعة لم تكن سجلًا لشاهد عيان، وربما تعود إلى منتصف القرن الثالث.
Image: Izmir St Polycarp Church Icon Miraculously Extinguishing Smyrna Fire.JPG — Pvasiliadis, CC BY-SA 3.0






