قامت منارة الإسكندرية (İskenderiye Feneri) عند الطرف الشرقي لجزيرة فاروس القديمة في الإسكندرية بمصر. وتشغل قلعة قايتباي اليوم موقعها السابق بجوار مدخل الميناء الكبير. دمرتها الزلازل تدريجيا، وأُعيد استخدام أحجارها الباقية في القلعة نحو عام 1480. وتشمل البقايا الغارقة كتلا كبيرة مرتبطة بالمنارة، إلى جانب أحجار من منشآت أخرى.
يبدأ اللغز من هذا الخليط من البقايا: أي الأحجار كان جزءا من البرج، وماذا يمكن أن يخبرك عن تصميمه؟ تُظهر العملات برجا يتوجه تمثال، بينما تسجل المسوحات تحت الماء قطعا معمارية متناثرة. ويصل تتبع هذه الشواهد بين بناء المنارة ودمارها التدريجي وتصورات إعادة بنائها التي يجري اختبارها الآن بالنمذجة ثلاثية الأبعاد.
أين كانت منارة الإسكندرية؟
كانت المنارة تحدد مدخل الميناء الكبير في الإسكندرية من الطرف الشرقي لجزيرة فاروس. وربط الجزيرة بالإسكندرية جسر الهيبتاستاديون، وهو ممر يصل بين اليابستين يزيد طوله على 1,200 متر. وهكذا كان موقعها الجزري متصلا بالمدينة اتصالا ماديا.
تشغل قلعة قايتباي موقع المنارة السابق. وإذا استعنت بالقلعة لتحديد موضع البرج القديم، فستجد فيها المرجع الجغرافي الأساسي. ويمتد الموقع الأثري الغارق حول هذه المنطقة. ويربط مركز الدراسات السكندرية (CEAlex) غمر البقايا بهبوط الأرض الذي يؤثر في ساحل الإسكندرية منذ العصور القديمة.
متى بُنيت منارة الإسكندرية، وفي عهد من؟
يؤرخ مركز الدراسات السكندرية بداية البناء بعام 297 قبل الميلاد، في عهد بطليموس الأول. واكتمل البناء بين عامي 283 و281 قبل الميلاد، في عهد بطليموس الثاني. ويستند هذا التأريخ إلى معجم سودا المتأخر والتسلسل الزمني لأوسابيوس، ولذلك تعتمد دقته على هذين الموروثين النصيين.
أصبحت المنارة إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. ويُقدر ارتفاعها الإجمالي بما لا يقل عن 100 متر. وهذا الرقم تقدير للارتفاع الكلي؛ فالكتل الباقية تحت الماء لا تشكل برجا سليما يمكن قراءة جميع أبعاده مباشرة.
وتوضح تواريخ البناء أيضا دور كل من الملكين. بدأ بطليموس الأول المشروع، بينما كان بطليموس الثاني يحكم عند اكتماله. ونسبة المنارة إلى أحدهما وحده تُغفل هذا التسلسل.
ماذا تخبرنا التصاوير القديمة عن عمارتها وطريقة عملها؟
يتألف التصور الشائع لإعادة بناء المنارة من ثلاثة أقسام تضيق كلما ارتفعت: قسم سفلي مربع، وأوسط مثمن، وعلوي دائري. وتُظهر العملات الصادرة خلال عهود الأباطرة من دوميتيان إلى كومودوس برجا من ثلاثة أقسام يعلو قمته تمثال. وتقدم هذه الصور دليلا على التكوين العام للمبنى.
وترصد القراءة المعمارية التي يقدمها مركز الدراسات السكندرية للعملات تماثيل لتريتون عند الزوايا الأربع للمصطبة الأولى. ووفق هذا التفسير، يشغل تمثال القمة وتماثيل المصطبة مواضع مختلفة. ويساعدك التمييز بينها على قراءة تصور إعادة البناء بدقة أكبر.
أما موضع الضوء فأقل يقينا. تضع الرواية التقليدية نارا عند قمة البرج. ويشكك مركز الدراسات السكندرية في هذا الترتيب، لأن التصاوير تضع تمثالا كبيرا في الموضع نفسه. ويعد موضع النار الدقيق وصلته برواية المرآة مسألتين محل خلاف.
وهكذا تتيح التصاوير القديمة مناقشة أقسام البرج ومنحوتاته، من دون حسم جميع تفاصيل تشغيله. ويمكن لتصور إعادة البناء أن يعرض الأقسام المربعة والمثمنة والدائرية، مع إبقاء الترتيب الدقيق لمصدر الضوء مسألة مفتوحة.
كيف أثرت الزلازل وأعمال البناء اللاحقة في المنارة؟
توالى دمار المنارة على مراحل. فبحسب السجلات التي تجمعها ويكيبيديا الإنجليزية، تسبب زلزال عام 956 في انهيار نحو 20 مترا من أعلاها. وكان ذلك فقدانا إنشائيا كبيرا، لكنه لم يكن الاختفاء النهائي للمبنى.
يربط مشروع فاروس التابع لمركز الدراسات السكندرية توقف المنارة عن العمل بأضرار زلزال 8 أغسطس 1303 والتسونامي المصاحب له. ويذكر أن المبنى لم يُصلح بعد هذه الكارثة. لذلك كان توقفه عن العمل وزوال بنيته المتبقية مرحلتين منفصلتين.
تكشف زيارتا ابن بطوطة استمرار التدهور. ففي عام 1326، استطاع دخول المنارة المتضررة. وعندما عاد عام 1349، كان خرابها قد بلغ حدا تعذر معه الوصول إلى مدخلها. وتوثق روايتاه تفاقم الخراب بين كارثة 1303 وإعادة استخدام أحجارها لاحقا.
نحو عام 1480، استُخدمت أحجار من الأجزاء التي بقيت قائمة جزئيا لبناء قلعة قايتباي في الموقع نفسه، بحسب ويكيبيديا التركية. تفسر أضرار الزلازل خراب البرج التدريجي، بينما تفسر أعمال البناء اللاحقة إعادة استخدام مواده الباقية. ويساعد هبوط الساحل أيضا على تفسير وجود البقايا الأثرية تحت الماء اليوم.
التسلسل الزمني
- 297 قبل الميلاد: بدأ البناء في عهد بطليموس الأول، وفق تأريخ مركز الدراسات السكندرية المستند إلى معجم سودا المتأخر والتسلسل الزمني لأوسابيوس.
- 283–281 قبل الميلاد: اكتملت المنارة في عهد بطليموس الثاني، وفق التأريخ نفسه الذي يعتمده مركز الدراسات السكندرية.
- 956: تسبب زلزال في انهيار بالقسم العلوي.
- 8 أغسطس 1303: ألحق زلزال والتسونامي المصاحب له أضرارا جسيمة بالمنارة، وأنهيا عملها بحسب مركز الدراسات السكندرية.
- 1326 و1349: استطاع ابن بطوطة دخول المبنى المتضرر عام 1326، ثم وجده عام 1349 شديد الخراب إلى حد تعذر معه الدخول.
- نحو 1480: أُعيد استخدام أحجار المنارة الباقية في قلعة قايتباي.
- 1993–1994: هددت كتل الحماية الخرسانية البقايا الغارقة، ثم نفذ مركز الدراسات السكندرية أول حملة تنقيب عام 1994.
- 1995–1996: انتُشلت 36 قطعة لعرضها لاحقا على اليابسة.
- 2009 و2013: بدأ التوثيق بالتصوير المساحي، ثم توسع ليشمل العمل على توأم رقمي للموقع الغارق.
- 2023: انطلق مشروع فاروس بإشراف إيزابيل هيري.
- 2025: أُعلن انتشال 22 كتلة كبيرة مرتبطة بالمنارة.
أي الأحجار المكتشفة قبالة قلعة قايتباي ترتبط بالمنارة؟
نفذ فريق مركز الدراسات السكندرية، الذي أسسه جان إيف أمبرور، أول سلسلة تنقيبات حول قلعة قايتباي عام 1994. وتورد وزارة الثقافة الفرنسية نحو 3,500 عنصر معماري جرى التعرف عليها أثناء الغوص. وشملت تيجان أعمدة وقواعد وتماثيل لأبي الهول ومسلات وتماثيل ضخمة. واعتُبر بعض هذه العناصر فقط مرجح الانتماء إلى المنارة.
يميز مركز الدراسات السكندرية بين مجموعات عدة داخل الموقع الغارق. فهو يربط البقايا في الشمال الغربي بالمنارة، والبقايا في الشمال الشرقي بمبنى من العصر الروماني، وتلك الموجودة في الجنوب بجدار لحماية الساحل. لذلك يشكل موضع القطع داخل الموقع جزءا من تفسيرها.
وتحتاج الأرقام المستخدمة لوصف الموقع أيضا إلى توضيح تواريخها وما تشير إليه. ففي 1 يناير 2020، ضمت قاعدة بيانات مركز الدراسات السكندرية 3,040 كتلة مسجلة. وغطى نموذجه الرقمي للسطح نحو 65 بالمئة من مساحة أثرية تبلغ 15,910 مترا مربعا. وتصف هذه الأرقام حالة التوثيق في تاريخ محدد، ولا تمثل إحصاء لأحجار ثبت انتماؤها إلى المنارة.
أسفرت أعمال أُعلن عنها في يوليو 2025 عن رفع 22 كتلة كبيرة مرتبطة بالمنارة من قاع البحر لفحصها ومسحها رقميا. وشملت أحجارا مرتبطة بمدخلها الضخم. وكانت قطع أخرى تنتمي إلى بوابة صرح على الطراز المصري، ربما كانت جزءا من معلم منفصل. ولم يجعل الانتشال نسبة كل قطعة أمرا مؤكدا.
تفاصيل لن تجدها في الأدلة السياحية
ذكر بلينيوس الأكبر أن تكلفة البناء بلغت 800 تالنت. وباستخدام حسابه لوحدة التالنت البطلمية، يعادل مركز الدراسات السكندرية هذا المقدار بنحو 17 طنا من الفضة. ويمنح هذا التحويل تصورا ماديا لحجم النفقة المذكورة.
واجهت البقايا الغارقة تهديدا حديثا عام 1993. فقد وُضعت مئات الكتل الخرسانية في البحر لحماية قلعة قايتباي. وأعاقت الوصول إلى البقايا الأثرية وهددت الموقع.
يحمل جدار حماية الساحل الجنوبي شاهدا آخر على إعادة الاستخدام. ويصفه مركز الدراسات السكندرية بأنه مبني من أعمدة جرانيتية أُخذت من مباني الإسكندرية القديمة وأُعيد قطعها. لذلك لا يثبت وجود حجر قرب المنارة أنه كان جزءا من البرج أصلا.
يمكن مشاهدة بعض القطع المنتشلة على اليابسة. فقد وُضعت 36 قطعة انتُشلت في 1995–1996 في مساحات عرض بالإسكندرية، منها متحف المسرح الروماني المكشوف والساحة أمام مكتبة الإسكندرية. وتتيح لك هذه المعروضات وسيلة أخرى لمشاهدة مواد انتُشلت من الموقع الغارق.
ما المسائل غير المحسومة التي يمكن للتنقيب تحت الماء والنمذجة ثلاثية الأبعاد توضيحها؟
يؤرخ ملخص بحث أكاديمي نشره هيري وعبد العزيز والسيد عام 2025 بداية برنامج للتصوير المساحي بعام 2009. وكان هدفه فحص القطع ودراسة إمكان وصلها ببعضها. ويذكر الملخص أن العمل توسع عام 2013 نحو إنشاء توأم رقمي للموقع الغارق، الذي تبلغ مساحته نحو 1.6 هكتار.
تخيل أنك تحاول جمع قطع مكسورة في منزلك: عليك فحص شكلها للتحقق من إمكان تطابقها. ويطبق برنامج المنارة هذا السؤال العملي على شظايا حجرية موثقة. ويمكن أن يساعد البحث عن مواضع اتصال محتملة على اختبار ما إذا كانت قطع منفصلة قد شكلت في الماضي جزءا من العنصر المعماري نفسه.
يقارن مشروع فاروس، الذي انطلق عام 2023 بإشراف إيزابيل هيري، الأدلة الأثرية بالنصوص القديمة والتصاوير. وتختبر نماذجه ثلاثية الأبعاد فرضيات إعادة البناء المتعلقة بالشكل الهندسي والمواد والتوزيع الداخلي وشكل الفتحات وعددها. وتمنح هذه النماذج التصاميم المقترحة خصائص محددة يمكن فحصها في ضوء الأدلة.
يوضح الخلاف حول موضع النار أهمية هذه المقارنات. فالعملات التي تصور تمثالا عند القمة تعقد التصور التقليدي الذي يضع النار هناك. وإذا فحصت تصورا لإعادة البناء، فإن البرج المؤلف من ثلاثة أقسام والترتيب الدقيق للإضاءة يستحقان درجتين مختلفتين من الثقة.
الأسئلة الشائعة
أين قامت المنارة بالضبط؟
قامت عند الطرف الشرقي لجزيرة فاروس في الإسكندرية بمصر، وكانت تحدد مدخل الميناء الكبير. وتشغل قلعة قايتباي موقعها السابق اليوم.
هل دمر زلزال واحد المنارة بأكملها؟
كان خرابها تدريجيا. سُجلت أضرار عام 956، ويربط مركز الدراسات السكندرية توقفها عن العمل بزلزال عام 1303 والتسونامي المصاحب له. وتوثق زيارتا ابن بطوطة مزيدا من التدهور قبل إعادة استخدام الأحجار نحو عام 1480.
هل تعود جميع البقايا الغارقة إلى المنارة؟
لا. يحدد مركز الدراسات السكندرية أيضا بقايا مبنى من العصر الروماني وجدار لحماية الساحل. واعتُبر جزء فقط من المواد التي أُبلغ عنها خلال الغوص مرجح الانتماء إلى المنارة.
ماذا يختبر الباحثون بالنماذج ثلاثية الأبعاد؟
تختبر نماذج مشروع فاروس ثلاثية الأبعاد الشكل الهندسي المقترح للبرج ومواده وتوزيعه الداخلي وفتحاته. ويقارن المشروع هذه التصورات بالأدلة الأثرية والنصوص والتصاوير. ويدرس برنامج للتصوير المساحي أيضا إمكان وصل الكتل الحجرية ببعضها.
المصادر
- CEAlex — التنقيبات تحت الماء في موقع المنارة pharos.cealex.org
- CEAlex — منارة الإسكندرية pharos.cealex.org
- CEAlex — مشروع فاروس pharos.cealex.org
- وزارة الثقافة الفرنسية — الإسكندرية (مصر) archeologie.culture.gouv.fr
- ويكيبيديا الإنجليزية — منارة الإسكندرية en.wikipedia.org
- ويكيبيديا التركية — İskenderiye Feneri tr.wikipedia.org
- Live Science — كتل ضخمة من منارة الإسكندرية livescience.com
- Eurographics — التقنيات ثلاثية الأبعاد في الموقع الأثري الغارق لمنارة الإسكندرية القديمة (مصر)، ملخص المنشور diglib.eg.org
FAQ
أين كانت منارة الإسكندرية؟
كانت عند الطرف الشرقي لجزيرة فاروس القديمة في الإسكندرية بمصر. وكانت تحدد مدخل الميناء الكبير، في الموقع الذي تشغله قلعة قايتباي اليوم.
هل دمر زلزال واحد المنارة؟
دُمرت المنارة تدريجيا. أضر زلزال بقسمها العلوي عام 956، ويربط مركز الدراسات السكندرية (CEAlex) توقفها عن العمل بأضرار الزلزال والتسونامي في 8 أغسطس 1303. وأُعيد استخدام أحجارها الباقية لاحقا في قلعة قايتباي.
هل ينتمي كل حجر تحت الماء إلى المنارة؟
لا. يضم الموقع الغارق بقايا مرتبطة بالمنارة، ومبنى من العصر الروماني، وجدارا لحماية الساحل. ومن نحو 3,500 عنصر معماري أوردتها وزارة الثقافة الفرنسية، اعتُبر جزء فقط مرجح الانتماء إلى المنارة.
ماذا تكشف النماذج ثلاثية الأبعاد عن المنارة؟
تساعد الباحثين على فحص إمكان وصل الكتل الحجرية ببعضها، واختبار تصورات إعادة بناء المنارة من حيث شكلها الهندسي وموادها وتوزيعها الداخلي وفتحاتها. وتُقارن هذه النماذج بالأدلة الأثرية والنصوص القديمة والتصاوير.
Image: Lighthouse – Thiersch.png — Prof. Hermann Thiersch (1874–1939), Public domain






