تُرجع الكنيسة الأرمنية الرسولية (Ermeni Apostolik Kilisesi) أصولها إلى الرسولين ثاديوس وبرثلماوس، بينما تشير شواهد مكتوبة إلى وجود أسقف لأرمينيا (Ermenistan) نحو عام 260. وعزّز الدعم الملكي المسيحية في القرن الرابع، ويؤرَّخ هذا التحول تقليديًا بعام 301. وتبلورت تقاليد الكنيسة المتميزة عبر استقلالها المؤسسي، ونصوصها الدينية الأرمنية، ورفض مجمع خلقيدونية (Kadıköy) من خلال مجامع لاحقة عُقدت في دفين (Divin).
تكشف رسالة وأبجدية وكاتدرائية جوانب مختلفة من هذا التاريخ. إذا كنت تستكشف المسيحية الأرمنية خلال سفرك في تركيا (Türkiye)، فبطريركية الكنيسة في إسطنبول (İstanbul) جزء من بنية مؤسسية تضم أيضًا إتشميادزين (Eçmiyazin)، وكيليكيا (Kilikya)، والقدس (Kudüs). ويبدأ فهم هذه البنية بالتمييز بين التقليد الرسولي والشواهد المؤرّخة.
كيف نميّز تقاليد التأسيس الرسولي من التاريخ الموثّق؟
يضع تقليد تأسيس الكنيسة الرسولين ثاديوس وبرثلماوس في أرمينيا خلال القرن الأول. وتعبّر صفة «الرسولية» في اسمها عن هذه الصلة بالرسل. ويوضح هذا التقليد كيف تفهم الكنيسة بداياتها، بينما تقدّم إشارة مكتوبة باقية نوعًا آخر من الأدلة.
نحو عام 260، ذكر ديونيسيوس الإسكندري مروزانيس، أسقف أرمينيا، في رسالة. وهذه من الشواهد الوثائقية المبكرة على المسيحية الأرمنية. فهي تثبت وجود أسقف قبل قرون من المجامع التي أسهمت لاحقًا في تحديد موقع الكنيسة داخل المسيحية.
وتتطلب الرواية المنسوبة إلى أغاثانغيلوس تمييزًا آخر. فهي تروي قصة اعتناق الملك المسيحية، لكن روبرت دبليو. تومسون يؤرّخ صيغتها الأرمنية بالنصف الثاني من القرن الخامس. ولا ينسجم ادعاء المؤلف أنه شاهد عيان مع هذا التاريخ المتأخر للتأليف.
حين تقرأ عن أصول الكنيسة، ميّز بين هذه المستويات. فبعثات الرسل تنتمي إلى تقليد تأسيسها. والإشارة إلى مروزانيس شاهد مكتوب مؤرّخ. أما أغاثانغيلوس فيحفظ رواية عن اعتناق المسيحية، تعود صيغتها الأرمنية الباقية إلى زمن لاحق للأحداث التي تصفها.
كيف يُحدَّد تاريخ اعتماد المسيحية دينًا للدولة في أرمينيا؟
يحدّد التقليد الكنسي عام 301 تاريخًا لاعتماد المسيحية دينًا رسميًا للدولة في أرمينيا. ويمثّل هذا التاريخ ركيزة رواية الكنيسة عن اعتناق الملك المسيحية. ومع ذلك، ينبغي تمييزه من آراء الباحثين بشأن معمودية الملك تيريدات (Trdat).
ترى روبن دارلينغ يونغ أن عام 314 أرجح لمعمودية الملك. وتضعها حجتها بعد السماح بالمسيحية في روما (Roma). ويقترح تومسون أيضًا نحو عام 314 تاريخًا لرسامة غريغوريوس المنوّر (Krikor Lusavoriç) أسقفًا لأرمينيا في قيصرية (Kayseri) بكبادوكيا (Kapadokya)، وهي واقعة يقبلها بوصفها حدثًا تاريخيًا.
ولا يعني أيّ من التاريخين أن البلاد كلها أصبحت مسيحية دفعة واحدة. تصف يونغ نشاطًا تبشيريًا تدريجيًا ارتبط بالمناطق المجاورة الناطقة بالسريانية واليونانية. لذلك يمثّل اعتناق الملك المسيحية وانتشارها بين السكان مسارين مترابطين، لكنهما مختلفان.
وتطوّر الاستقلال المؤسسي أيضًا خلال القرن الرابع. ففي عهد الملك باب (Pap)، توقفت الكنيسة الأرمنية عن طلب موافقة قيصرية بكبادوكيا على تعيين جاثليقها. ومنحها هذا التغيير سيطرة أكبر على تعيين رئيسها.
كيف أسهمت اللغة الأرمنية في تشكيل تقاليد الكنيسة؟
نحو عام 405، ابتكر مسروب ماشتوتس (Mesrop Maştots) الأبجدية الأرمنية. وتلت ذلك ترجمات للكتاب المقدس والنصوص الطقسية. وهكذا أصبحت الأرمنية لغة يمكن من خلالها نقل الكتاب المقدس والعبادة في نصوص مكتوبة.
وتتجاوز أهمية هذه الترجمات خدمات الكنيسة نفسها. فبعض الكتابات المسيحية المبكرة لم يبقَ إلا من خلال ترجمات أرمنية قديمة. ومن أمثلتها كتاب إيريناوس البرهان على الكرازة الرسولية. ولذلك يحفظ التراث النصّي الأرمني مواد يعتمد بقاؤها على تلك الترجمات.
تمثّل الأبجدية والاستقلال المؤسسي تطوّرين مختلفين. ففي عهد باب، أصبحت الكنيسة تتحكم في التعيينات دون موافقة قيصرية. وبعد ماشتوتس، منحت الترجمات الأرمنية الكتاب المقدس والطقوس أساسًا لغويًا مكتوبًا. ويساعد كلا التطوّرين في تفسير نشوء تقليد كنسي متميّز.
ما دور خلقيدونية ومجامع دفين في الانفصال؟
تقبل الكنيسة الأرمنية الرسولية المجامع المسكونية الثلاثة الأولى. ولا تقبل مجمع خلقيدونية الذي عُقد عام 451. وغاب الممثلون الأرمن عنه لأن انتفاضة تسببت في اضطراب سياسي في البلاد.
وتبلور الانفصال عبر مجامع لاحقة. ففي دفين عام 506، أقرّ مجمع وثيقة الهينوتيكون التي أصدرها الإمبراطور زينون، وكانت تهدف إلى التوفيق بين الكنائس. وينتمي هذا القرار إلى تاريخ محاولات الاتفاق بعد خلقيدونية.
ورفض مجمع أرمني لاحق السلطة المسكونية لمجمع خلقيدونية وصيغة الطبيعتين بعد الاتحاد. ويؤرّخ ماكغوكين هذا المجمع بعام 555. ويضع تسلسل زمني آخر مجمع دفين الثاني في عام 554. ويتعلق الاختلاف بتاريخه؛ أما الرفض فيظل محور أهميته.
وتناول مجمع دفين الثالث، الذي عُقد في 609–610، العلاقات مع الكنيسة الجورجية، التي كانت قد قبلت العقيدة الخلقيدونية بشأن طبيعة المسيح. وهكذا تمثّل دفين حلقة في سلسلة قرارات تخص العقيدة والعلاقات الكنسية، امتدت طويلًا بعد مجمع عام 451 الأصلي.
وتصف الكنيسة الأرمنية موقفها بأنه ميافيزي. فهي تؤكد وحدة لاهوت المسيح وناسوته، وترفض تعاليم كلّ من نسطور وأوطيخا. وينبغي فهم رفضها خلقيدونية إلى جانب هذه التأكيدات العقائدية.
ما الفروق التاريخية بين الكنائس الأرمنية الرسولية والأرمنية الكاثوليكية والأرثوذكسية الشرقية؟
الكنيسة الأرمنية الرسولية كنيسة قومية تدير شؤونها بنفسها، وتنتمي إلى عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية. أما الكنائس الأرثوذكسية الشرقية ذات التقليد البيزنطي فتقبل المجامع المسكونية السبعة الأولى. ويشكّل قبول الكنيسة الأرمنية الرسولية المجامع الثلاثة الأولى فارقًا أساسيًا بين هاتين العائلتين الكنسيتين.
والكنيسة الأرمنية الكاثوليكية (Ermeni Katolik Kilisesi) كنيسة كاثوليكية شرقية مستقلة في كيانها، وهي في شركة مع كرسي روما. وفي عام 1742، ثبّت البابا بندكتوس الرابع عشر أبراهام أردزيفيان، الذي كان سابقًا أسقفًا أرمنيًا رسوليًا، بطريركًا للأرمن الكاثوليك على كيليكيا، ومقرّه في لبنان (Lübnan).
إذا صادفت هذه الأسماء، فقبول المجامع والشركة مع روما معياران مفيدان لفهم الفروق التاريخية. ولا تعني كلمة «أرمني» وحدها الانتماء إلى الكنيسة الأرمنية الرسولية. فالكنيسة الأرمنية الكاثوليكية تحمل أيضًا الصفة الأرمنية، لكنها تنتمي إلى شركة كنسية مختلفة.
وللحوار اللاحق أهميته أيضًا. ففي 13 ديسمبر 1996، أصدر البابا يوحنا بولس الثاني والجاثليق كاريكين الأول إعلانًا مشتركًا أكّدا فيه إيمانهما المشترك بأن يسوع إله حق وإنسان حق. ويشكّل هذا الاتفاق جانبًا من التاريخ إلى جانب الانفصال العقائدي الأسبق.
لماذا أصبحت إتشميادزين مركزًا دينيًا مهمًا؟
تجمع إتشميادزين بين رواية مقدّسة عن تأسيسها، وكاتدرائية تاريخية، والكرسي الجاثليقي. وتؤرّخ اليونسكو تأسيس الكاتدرائية بالفترة 301–303، وتربطه بالملك تيريدات الثالث وغريغوريوس المنوّر. وهذا يضع تقليد تأسيسها ضمن فترة اعتناق الملك المسيحية.
ويتطلب التاريخ المعماري للمبنى تسلسلًا زمنيًا منفصلًا. فجامعة ولاية كاليفورنيا في فريسنو تميّز بين الكنيسة الأولى من القرن الرابع والمخطط الحالي على شكل صليب. وتنسب أساس هذا المخطط إلى إعادة البناء في عهد فاهان ماميكونيان (Vahan Mamikonyan) في ثمانينيات القرن الخامس. ولذلك يصف تاريخ التأسيس والمخطط الباقي مرحلتين مختلفتين.
في عام 1441، عاد الكرسي الجاثليقي من سيس (Sis) في كيليكيا إلى إتشميادزين في فاغارشابات (Vağarşapat). وأضافت هذه العودة أهمية مؤسسية إلى الارتباطات المقدّسة للكاتدرائية. وإتشميادزين هي المركز الروحي الرئيسي للكنيسة، ضمن بنية أوسع تضم جاثليقية كيليكيا وبطريركيتي إسطنبول والقدس.
في عام 2000، أدرجت اليونسكو كاتدرائية إتشميادزين والكنائس التاريخية المحيطة بها وموقع زفارتنوتس (Zvartnots) الأثري على قائمة التراث العالمي. وحين تزور الكاتدرائية، فإن تاريخها يشمل تأسيسها المبكر وإعادة بنائها في عصور لاحقة.
تفاصيل لن تجدها في الأدلة السياحية
تعني «إتشميادزين» «نزول الابن الوحيد». ويشير الاسم إلى رؤيا غريغوريوس التي يرويها أغاثانغيلوس، وفيها ضرب المسيح الأرض بمطرقة ذهبية. وهكذا يحمل اسم المكان نفسه جزءًا من رواية التأسيس المقدّسة للكاتدرائية.
كشفت أعمال البحث في 1955–1956 و1959 بقايا موقد لمعبد نار تحت مذبح الحنية الشرقية. ويضيف هذا الاكتشاف طبقة أثرية أسفل التاريخ المعماري المسيحي للكاتدرائية.
ويحمل نقش بارز من القرن الخامس على الجدار الشمالي للكاتدرائية اسمَي القديس بولس والقديسة تقلا باليونانية بدلًا من الأرمنية. وتأتي هذه التفصيلة إلى جانب التاريخ الأوسع للترجمة الأرمنية بعد ابتكار الأبجدية نحو عام 405.
ويقدّم التقويم الكنسي صلة بالحياة اليومية. فعيد الميلاد يُحتفل به مع عيد الظهور الإلهي في 6 يناير، بدلًا من إقامته عيدًا منفصلًا في أواخر ديسمبر. وإذا كنت ترتّب وجبة عائلية بمناسبة احتفال الكنيسة الأرمنية بعيد الميلاد، فالتاريخ المعني هو 6 يناير.
التسلسل الزمني
- القرن الأول: يضع التقليد الكنسي بعثتَي ثاديوس وبرثلماوس في أرمينيا.
- نحو عام 260: يذكر ديونيسيوس الإسكندري مروزانيس، أسقف أرمينيا.
- 301: التاريخ التقليدي لاعتماد المسيحية دينًا للدولة.
- 301–303: الفترة التي تحدّدها اليونسكو لتأسيس كاتدرائية إتشميادزين.
- نحو عام 314: التاريخ المقترح لرسامة غريغوريوس، والتاريخ البديل لمعمودية تيريدات.
- القرن الرابع: في عهد باب، لم تعد تعيينات الجاثليق تتطلب موافقة قيصرية.
- نحو عام 405: يبتكر مسروب ماشتوتس الأبجدية الأرمنية.
- 451: ينعقد مجمع خلقيدونية دون ممثلين أرمن.
- ثمانينيات القرن الخامس: تُعاد عمارة إتشميادزين في عهد فاهان ماميكونيان.
- 506: يقرّ مجمع دفين الهينوتيكون.
- 554/555: يرفض مجمع دفين الثاني سلطة خلقيدونية؛ وتختلف التسلسلات الزمنية في تأريخه.
- 609–610: يتناول مجمع دفين الثالث العلاقات مع الكنيسة الجورجية.
- 1441: يعود الكرسي الجاثليقي من سيس إلى إتشميادزين.
- 1742: يثبّت بندكتوس الرابع عشر أردزيفيان بطريركًا للأرمن الكاثوليك.
- 13 ديسمبر 1996: يصدر يوحنا بولس الثاني وكاريكين الأول إعلانهما المشترك.
- 2000: تُدرج إتشميادزين وزفارتنوتس على قائمة التراث العالمي.
الأسئلة الشائعة
هل تثبت صفة «الرسولية» تأسيس الكنيسة في القرن الأول؟
يعبّر الاسم عن تقليد الكنيسة الذي ينسب تأسيسها إلى ثاديوس وبرثلماوس. وتذكر إشارة وثائقية منفصلة الأسقف مروزانيس نحو عام 260.
هل 301 هو التاريخ الوحيد المستخدم لاعتناق الملك المسيحية؟
لا. يستخدم التقليد الكنسي عام 301، بينما ترجّح روبن دارلينغ يونغ عام 314 لمعمودية تيريدات. وتؤكد أيضًا أن انتشار المسيحية كان تدريجيًا.
هل الكنيسة الأرمنية الرسولية هي نفسها الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية؟
لا. تنتمي الكنيسة الأرمنية الرسولية إلى عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية. أما الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية فهي في شركة مع روما.
هل يعود مخطط إتشميادزين الحالي إلى 301–303؟
تحدّد اليونسكو الفترة 301–303 لتأسيس الكاتدرائية. وتربط جامعة ولاية كاليفورنيا في فريسنو أساس المخطط الحالي على شكل صليب بإعادة البناء في ثمانينيات القرن الخامس.
المصادر
- مجلس الكنائس العالمي — الكنيسة الأرمنية الرسولية، الكرسي الأم لإتشميادزين المقدّسة oikoumene.org
- ويكيبيديا التركية — Ermeni Apostolik Kilisesi tr.wikipedia.org
- John A. McGuckin — المسيحية الأرمنية، الموسوعة الموجزة للمسيحية الأرثوذكسية، ص. 40–43 catalogimages.wiley.com
- Robert W. Thomson، الموسوعة الإيرانية — Agathangelos iranicaonline.org
- Robin Darling Young — اعتناق أرمينيا المسيحية بوصفه عملًا أدبيًا umnlibraries.manifoldapp.org
- ويكيبيديا الإنجليزية — الكنيسة الأرمنية الرسولية en.wikipedia.org
- Ronald Roberson، CNEWA — الكنيسة الأرثوذكسية cnewa.org
- Ronald Roberson، CNEWA — الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية cnewa.org
- الفاتيكان — يوحنا بولس الثاني، المقابلة العامة، 22 يناير 1997 vatican.va
- اليونسكو — كاتدرائية إتشميادزين وكنائسها وموقع زفارتنوتس الأثري whc.unesco.org
- برنامج الدراسات الأرمنية بجامعة ولاية كاليفورنيا في فريسنو — إتشميادزين cah.fresnostate.edu
FAQ
من أسّس الكنيسة الأرمنية الرسولية؟
ينسب التقليد الكنسي تأسيسها إلى بعثتَي الرسولين ثاديوس وبرثلماوس في القرن الأول. وترد إشارة مبكرة موثّقة نحو عام 260، حين ذكر ديونيسيوس الإسكندري مروزانيس، أسقف أرمينيا.
هل اعتنقت أرمينيا المسيحية عام 301 أم 314؟
تؤرّخ الكنيسة تقليديًا اعتماد المسيحية دينًا للدولة بعام 301. وترى روبن دارلينغ يونغ أن عام 314 أرجح لمعمودية الملك تيريدات، وتؤكد أن انتشار المسيحية جرى تدريجيًا.
هل تنتمي الكنيسة الأرمنية الرسولية إلى الأرثوذكسية الشرقية؟
تنتمي إلى عائلة الكنائس الأرثوذكسية المشرقية. وهي تقبل المجامع المسكونية الثلاثة الأولى، بينما تقبل الكنائس الأرثوذكسية الشرقية ذات التقليد البيزنطي المجامع السبعة الأولى.
لماذا تُعدّ إتشميادزين مهمة؟
تجمع إتشميادزين بين تقليد مقدّس عن تأسيسها وكاتدرائية تاريخية. وعاد إليها الكرسي الجاثليقي من سيس عام 1441، وما زالت المركز الروحي الرئيسي للكنيسة.
Image: Holy Saviour's Church, Gyumri, Armenia (2026).jpg — Petar Milošević, CC BY-SA 4.0






